الدعاء للمهاجرين الوصية

عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلاَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لاَ» فَقُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ فَقَالَ: «لاَ» ثُمَّ قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ – أَوْ كَثِيرٌ – إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلاَ تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ البَائِسُ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ» يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّة

أحداث الهجرة ووصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ الزُّبَيْرَ فِي رَكْبٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، كَانُوا تِجَارًا قَافِلِينَ مِنَ الشَّأْمِ، فَكَسَا الزُّبَيْرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ ثِيَابَ بَيَاضٍ، وَسَمِعَ المُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مَخْرَجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ، فَكَانُوا [ص:61] يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الحَرَّةِ، فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ، فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ، فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ، أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ، لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ مُبَيَّضِينَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ، فَلَمْ يَمْلِكِ اليَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعَاشِرَ العَرَبِ، هَذَا جَدُّكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ، فَثَارَ المُسْلِمُونَ إِلَى السِّلاَحِ، فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِظَهْرِ الحَرَّةِ، فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ، حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامِتًا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الأَنْصَارِ – مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ، حَتَّى أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَأُسِّسَ المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَسَارَ يَمْشِي مَعَهُ النَّاسُ حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَكَانَ مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ، لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ غُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ: «هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ المَنْزِلُ». ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغُلاَمَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ، لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالاَ: لاَ، بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا، وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ وَيَقُولُ، وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ: ” هَذَا الحِمَالُ لاَ حِمَالَ خَيْبَرْ، هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَهْ، فَارْحَمِ الأَنْصَارَ، وَالمُهَاجِرَهْ ” فَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ لِي قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي الأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ تَامٍّ غَيْرَ هَذَا البَيْتِ

أحداث الهجرة

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحُدِّثْتُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ ابْن هِشَامٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوكَ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاَللَّهِ أَيْنَ أَبِي؟ قَالَتْ: فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ، وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا، فَلَطَمَ خَدِّي لَطْمَةً طُرِحَ مِنْهَا قُرْطِي. قَالَتْ: ثُمَّ انْصَرَفُوا. فَمَكَثْنَا ثَلَاثَ لَيَالٍ. وَمَا نَدْرِي أَيْنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ الْجِنِّ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، يَتَغَنَّى بِأَبْيَاتٍ مِنْ شَعَرِ غِنَاءِ الْعَرَبِ، وَإِنَّ النَّاسَ لَيَتْبَعُونَهُ، يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَمَا يَرَوْنَهُ، حَتَّى خَرَجَ مِنْ أَعَلَى مَكَّةَ وَهُوَ يَقُولُ:
جَزَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ … رَفِيقَيْنِ حَلَّا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ
هُمَا نَزَلَا بِالْبَرِّ ثُمَّ تَرَوَّحَا … فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدٍ
لِيَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتِهِمْ … وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنَيْنِ بِمَرْصَدِوَقَوْلُهُ «حلا خَيْمَتي» ، و «هما نَزَلَا بِالْبَرِّ ثُمَّ تَرَوَّحَا» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ، عَرَفْنَا حَيْثُ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ وَجْهَهُ إلَى الْمَدِينَةِ وَكَانُوا أَرْبَعَةً: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَعَامِرُ ابْن فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَطَ دَلِيلُهُمَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ.

دور أسماء في الهجرة

حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، قَالَ: كَانَ أَهْلُ الشَّأْمِ يُعَيِّرُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، يَقُولُونَ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، فَقَالَتْ لَهُ أَسْمَاءُ: «يَا بُنَيَّ إِنَّهُمْ يُعَيِّرُونَكَ بِالنِّطَاقَيْنِ، هَلْ تَدْرِي مَا كَانَ النِّطَاقَانِ؟ إِنَّمَا كَانَ نِطَاقِي شَقَقْتُهُ نِصْفَيْنِ، فَأَوْكَيْتُ قِرْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَحَدِهِمَا، وَجَعَلْتُ فِي سُفْرَتِهِ آخَرَ» قَالَ: فَكَانَ أَهْلُ الشَّأْمِ إِذَا عَيَّرُوهُ بِالنِّطَاقَيْنِ، يَقُولُ: إِيهًا وَالإِلَهِ   تِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا

دور أسماء في الهجرة

عَنْ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: صَنَعْتُ سُفْرَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، حِينَ أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى المَدِينَةِ، قَالَتْ: فَلَمْ نَجِدْ لِسُفْرَتِهِ، وَلاَ لِسِقَائِهِ مَا نَرْبِطُهُمَا بِهِ، فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: «وَاللَّهِ مَا أَجِدُ شَيْئًا أَرْبِطُ بِهِ إِلَّا نِطَاقِي»، قَالَ: فَشُقِّيهِ بِاثْنَيْنِ، فَارْبِطِيهِ: بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ، وَبِالْآخَرِ السُّفْرَةَ، «فَفَعَلْتُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ»

تآمر المشركين مع إبليس أحداث الهجرة

عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: وَحَدَّثَنِي مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ، قَالُوا: لَمَّا رَأَى الْمُشْرِكُونَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم قَدْ حَمَلُوا الذَّرَارِيَّ وَالْأَطْفَالَ إِلَى الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ عَرَفُوا أَنَّهَا دَارُ مَنَعَةٍ وَقَوْمُ أَهْلِ حَلْقَةٍ وَبَأْسٍ، فَخَافُوا خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فَاجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْحِجَى مِنْهُمْ لِيَتَشَاوَرُوا فِي أَمْرِهِ، وَحَضَرَهُمْ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ شَيْخٍ كَبِيرٍ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ مُشْتَمِلٍ الصَّمَّاءَ فِي بَتٍّ، فَتَذَاكَرُوا أَمْرَ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فَأَشَارَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِرَأْيٍ , كُلُّ ذَلِكَ يَرُدُّهُ إِبْلِيسُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَرْضَاهُ لَهُمْ إِلَى أَنْ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَرَى أَنْ نَأْخُذَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ غُلَامًا نَهْدًا جَلِيدًا، ثُمَّ نُعْطِيَهُ سَيْفًا صَارِمًا فَيَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ، فَلَا يَدْرِي بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ بَعْدَ ذَلِكَ مَا تَصْنَعُ، قَالَ: فَقَالَ النَّجْدِيُّ: لِلَّهِ دَرُّ الْفَتَى هَذَا، وَاللَّهِ الرَّأْيُ، وَإِلَّا فَلَا فَتَفَرَّقُوا عَلَى ذَلِكَ وَأَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَأَتَى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَنَامَ فِي مَضْجَعِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصُّحْبَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «نَعَمْ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «بِالثَّمَنِ» وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ اشْتَرَاهُمَا بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ نَعَمِ بَنِي قُشَيْرٍ، فَأَخَذَ إِحْدَاهُمَا وَهِيَ الْقَصْوَاءُ، وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَبِيتَ فِي مَضْجَعِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَبَاتَ فِيهِ عَلِيٌّ وَتَغَشَّى بُرْدًا أَحْمَرَ حَضْرَمِيًّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم يَنَامُ فِيهِ، وَاجْتَمَعَ أُولَئِكَ النَّفْرُ مِنْ قُرَيْشٍ يَتَطَلَّعُونَ مِنْ صِيرِ الْبَابِ وَيَرْصُدُونَهُ يُرِيدُونَ ثِيَابَهُ، وَيَأْتَمِرُونَ أَيُّهُمْ يَحْمِلُ عَلَى الْمُضْطَجِعِ صَاحِبَ الْفِرَاشِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم عَلَيْهِمْ وَهُمْ جُلُوسٌ عَلَى الْبَابِ، فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ، فَجَعَلَ يَذَرُهَا عَلَى رُءُوسِهِمْ وَيَتْلُو {يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} [يس: 2] حَتَّى بَلَغَ {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يَؤْمِنُونَ} [البقرة: 6] وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، فَقَالَ قَائِلٌ لَهُمْ: مَا تَنْتَظِرُونَ؟ قَالُوا: مُحَمَّدًا قَالَ: خِبْتِمْ وَخَسِرْتُمْ، قَدْ وَاللَّهِ مَرَّ بِكُمْ وَذَرَّ عَلَى رُءُوسِكُمُ التُّرَابَ، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَبْصَرْنَاهُ، وَقَامُوا يَنْفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ، وَهُمْ أَبُو جَهْلٍ وَالْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وَابْنُ الْغَيْطَلَةِ وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَطُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ وَأَبُو لَهَبٍ وَأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وَنُبَيْهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَامَ عَلِيٌّ عَنِ الْفِرَاشِ فَسَأَلُوهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهِ، وَصَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم إِلَى مَنْزِلِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ فِيهِ إِلَى اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ فَمَضِيَا إِلَى غَارِ ثَوْرٍ فَدَخَلَاهُ، وَضَرَبَتِ الْعَنْكَبُوتُ عَلَى بَابِهِ بِعِشَاشٍ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَطَلَبَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم أَشَدَّ الطَّلَبِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى بَابِ الْغَارِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ عَلَيْهِ الْعَنْكَبُوتَ قَبْلَ مِيلَادِ مُحَمَّدٍ فَانْصَرَفُوا

هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه الإعداد والتخطيط للهجرة

عَنْ عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُخْطِئُهُ أَحَدُ طَرَفَيِ النَّهَارِ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ إِمَّا بُكْرَةً، وَإِمَّا عَشِيَّةً، حَتَّى إِذَا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ لِرَسُولِهِ بِالْهِجْرَةِ، وَبِالْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ مِنْ بين ظهراني قومه، أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بِالْهَاجِرَةِ، فِي سَاعَةٍ كَانَ لا يَأْتِي فِيهَا. قَالَتْ: فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: مَا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هَذِهِ السَّاعَةَ إِلا لأَمْرٍ حَدَثَ قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ تَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ سَرِيرِهِ فَجَلَسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وَلَيْسَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ إِلا أَنَا وَأُخْتِي أسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَخْرِجْ عَنِّي مَنْ عِنْدَكَ، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ، وَمَا ذَاكَ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذِنَ لِي بِالْخُرُوجِ وَالْهِجْرَةِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الصُّحْبَةَ. قالت: فو الله مَا شَعُرْتُ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ يَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ هَاتَيْنِ رَاحِلَتَايَ، كُنْتُ أَعْدَدْتُهُمَا لِهَذَا فَاسْتَأْجَرَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَرْقَدَ- رَجُلا مِنْ بَنِي الدِّيلِ بْنِ بَكْرٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ مُشْرِكًا- يَدُلُّهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ، وَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، فَكَانَتَا عِنْدَهُ يَرْعَاهُمَا لِمِيعَادِهِمَا، وَلَمْ يَعْلَمْ- فيما بلغنى- بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أَحَدٌ حِينَ خَرَجَ إِلا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَآلُ أَبِي بَكْرٍ، فَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم- فِيمَا بَلَغَنِي- أَخْبَرَهُ بِخُرُوجِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ بَعْدَهُ بِمَكَّةَ حَتَّى يُؤَدِّيَ عَنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم الْوَدَائِعَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنَّاسِ، وَكَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَلَيْسَ بِمَكَّةَ أَحَدٌ عِنْدَهُ شَيْءٌ يَخْشَى عَلَيْهِ الا وضعه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، لِمَا يُعْرَفُ مِنْ صِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ فَلَمَّا أَجْمَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لِلْخُرُوجِ أَتَى أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي قُحَافَةَ، فَخَرَجَا مِنْ خَوْخَةٍ لأَبِي بَكْرٍ فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ، ثُمَّ عَمَدَا إِلَى غَارٍ بِثَوْرِ جَبَلٍ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، فَدَخَلاهُ، وَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَسْمَعَ لَهُمَا مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهِمَا نَهَارَهُ، ثُمَّ يَأْتِيهِمَا إِذَا أَمْسَى بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْخَبَرِ، وَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ مَوْلاهُ أَنْ يَرْعَى غَنَمَهُ نَهَارَهُ، ثُمَّ يُرِيحَهَا عَلَيْهِمَا إِذَا أَمْسَى بِالْغَارِ وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ تَأْتِيهِمَا مِنَ الطَّعَامِ إِذَا أَمْسَتْ بما يصلحهما، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي الْغَارِ ثَلاثًا، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ حِينَ فَقَدُوهُ مِائَةَ نَاقَةٍ لِمَنْ يَرُدُّهُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَكُونُ فِي قُرَيْشٍ وَمَعَهُمْ، وَيَسْتَمِعُ مَا يَأْتَمِرُونَ بِهِ، وَمَا يَقُولُونَ فِي شَأْنِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ يَأْتِيهِمَا إِذَا أَمْسَى فَيُخْبِرُهُمَا الْخَبَرَ، وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ يَرْعَى فِي رُعْيَانِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِذَا أَمْسَى أَرَاحَ عَلَيْهِمَا غَنَمَ أَبِي بَكْرٍ، فَاحْتَلَبَا وَذَبَحَا، فَإِذَا غَدَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ عِنْدِهِمَا إِلَى مَكَّةَ اتَّبَعَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ أَثَرَهُ بِالْغَنَمِ، حَتَّى يُعْفِي عَلَيْهِ، حَتَّى إِذَا مَضَتِ الثَّلاثُ، وَسَكَنَ عَنْهُمَا النَّاسُ، أَتَاهُمَا صَاحِبُهُمَا الَّذِي اسْتَأْجَرَا بِبَعِيرَيْهِمَا، وَأَتَتْهُمَا أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ بِسُفْرَتِهِمَا، وَنَسِيَتْ أَنْ تَجْعَلَ لَهَا عِصَامًا فَلَمَّا ارْتَحَلا ذَهَبَتْ لِتُعَلِّقَ السُّفْرَةَ، فَإِذَا لَيْسَ فِيهَا عِصَامٌ فَحَلَّتْ نِطَاقَهَا، فَجَعَلَتْهُ لَهَا عِصَامًا، ثُمَّ عَلَّقَتْهَا بِهِ- فَكَانَ يُقَالُ لأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ، لِذَلِكَ- فَلَمَّا قَرَّبَ أَبُو بَكْرٍ الرَّاحِلَتَيْنِ إِلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَرَّبَ لَهُ أَفْضَلَهُمَا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: ارْكَبْ فداك ابى وأمي! [فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنِّي لا أَرْكَبُ بَعِيرًا لَيْسَ لِي،] قَالَ: فَهُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! قَالَ: لا وَلَكِنْ مَا الثَّمَنُ الَّذِي ابْتَعْتَهَا بِهِ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهَا بِذَلِكَ، قَالَ: هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرَكِبَا فَانْطَلَقَا، وَأَرْدَفَ أَبُو بَكْرٍ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ مَوْلاهُ خَلْفَهُ يَخْدُمُهُمَا بِالطَّرِيقِ.

هجرة النبي صلى الله عليه وسلم

عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: لَمَّا خَرَجَ أَصْحَابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ- يَعْنِي رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم – وَقَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي أُمِرُوا فِيهَا بِالْقِتَالِ، اسْتَأْذَنَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَكُنْ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مَعَ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَصْحَابِهِ، حبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ لَهُ: انْظُرْنِي، فَإِنِّي لا أَدْرِي، لَعَلِّي يُؤْذَنُ لِي بِالْخُرُوجِ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ قَدِ اشْتَرَى رَاحِلَتَيْنِ يَعِدُّهُمَا لِلْخُرُوجِ مَعَ أَصْحَابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة، فلما استنظره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي يَرْجُو مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ بِالْخُرُوجِ، حَبَسَهُمَا وَعَلَفَهُمَا، انْتِظَارَ صُحْبَةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، حَتَّى أَسْمَنَهُمَا، فَلَمَّا حَبَسَ عَلَيْهِ خُرُوجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتَطْمَعُ أَنْ يُؤْذَنَ لَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَانْتَظَرَهُ فَمَكَثَ بِذَلِكَ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ، أَنَّهُمْ بَيْنَا هُمْ ظُهْرًا فِي بَيْتِهِمْ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا ابْنَتَاهُ: عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ، إذا هم برسول الله صلى الله عليه وسلم، حِينَ قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ- وَكَانَ لا يُخْطِئُهُ يَوْمًا أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ- فَلَمَّا رَأَى أَبُو بَكْرٍ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَاءَ ظُهْرًا، قَالَ لَهُ: مَا جَاءَ بِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِلَّا أَمْرٌ حَدَثَ؟ فَلَمَّا دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم الْبَيْتَ، قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْنَا عَيْنٌ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الصَّحَابَةَ، الصَّحَابَةَ! قَالَ: الصَّحَابَةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: خُذْ إِحْدَى الرَّاحِلَتَيْنِ- وَهُمَا الرَّاحِلَتَانِ اللَّتَانِ كَانَ يَعْلِفُهُمَا أَبُو بَكْرٍ، يَعِدُّهُمَا لِلْخُرُوجِ، إِذَا اذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم – فَأَعْطَاهُ إِحْدَى الرَّاحِلَتَيْنِ، فَقَالَ: خُذْهَا يَا رَسُولَ الله فارتحلها، [فقال النبي صلى الله عليه وسلم قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ،] وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مولدا من مولدي الأزد، كان للطفيل ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَخْبَرَةَ، وَهُوَ أَبُو الْحَارِثِ بْنُ الطُّفَيْلِ، وَكَانَ أَخَا عَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ لأُمِّهِمَا، فَأَسْلَمَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُمْ، فَاشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْتَقَهُ، وَكَانَ حَسَنَ الإِسْلَامِ، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ، كَانَ لأَبِي بَكْرٍ مَنِيحَةٌ مِنْ غَنَمٍ تَرُوحُ عَلَى أَهْلِهِ، فَأَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ عَامِرًا فِي الْغَنَمِ إِلَى ثَوْرٍ، فَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَرُوحُ بِتِلْكَ الْغَنَمِ عَلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم بِالْغَارِ فِي ثَوْرٍ، وَهُوَ الْغَارُ الَّذِي سَمَّاهُ الله في القرآن، فأرسل بِظَهْرِهِمَا رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ، حَلِيفًا لِقُرَيْشٍ مِنْ بَنِي سَهْمٍ، ثُمَّ آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَذَلِكَ الْعَدَوِيُّ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ، وَلَكِنَّهُمَا اسْتَأْجَرَاهُ، وَهُوَ هَادٍ بِالطَّرِيقِ وَفِي اللَّيَالِي الَّتِي مَكَثَا بِالْغَارِ كَانَ يَأْتِيهِمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ حِينَ يُمْسِي بِكُلِّ خَبَرٍ بِمَكَّةَ، ثُمَّ يُصْبِحُ بِمَكَّةَ وَيُرِيحُ عَامِرٌ الْغَنَمَ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَيَحْلِبَانِ، ثُمَّ يَسْرَحَ بُكْرَةً فَيُصْبِحُ فِي رُعْيَانِ النَّاسِ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ، حَتَّى إِذَا هَدَأَتْ عَنْهُمَا الأَصْوَاتُ، وَأَتَاهُمَا أَنْ قَدْ سُكِتَ عَنْهُمَا، جَاءَهُمَا صَاحِبُهُمَا بِبَعِيرَيْهِمَا، فَانْطَلَقَا وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا بِعَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ يَخْدِمُهُمَا وَيُعِينُهُمَا، يَرْدَفُهُ أَبُو بَكْرٍ وَيَعْقُبُهُ عَلَى رَحْلِهِ، لَيْسَ مَعَهُمَا أَحَدٌ إِلَّا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَأَخُو بَنِي عَدِيٍّ يَهْدِيهِمَا الطَّرِيقَ، فَأَجَازَ بِهِمَا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ، ثُمَّ مَضَى بِهِمَا حَتَّى حَاذَى بِهِمَا السَّاحِلَ، أَسْفَلَ مِنْ عُسْفَانَ، ثُمَّ اسْتَجَازَ بِهِمَا حَتَّى عَارَضَ الطَّرِيقَ بَعْدَ مَا جَاوَزَ قَدِيدًا، ثُمَّ سَلَكَ الْخَرَّارَ، ثُمَّ أَجَازَ عَلَى ثَنِيَّةِ الْمُرَّةِ، ثُمَّ أَخَذَ عَلَى طَرِيقٍ يُقَالُ لَهَا الْمُدْلَجَةِ بَيْنَ طَرِيقِ عمق وَطَرِيقِ الرَّوْحَاءِ، حَتَّى تَوَافَوْا طَرِيق الْعرجِ، وَسَلَكَ مَاءً يُقَالُ لَهُ الْغَابِرُ عَنْ يَمِينِ رَكُوبَةَ، حَتَّى يَطْلُعَ عَلَى بَطْنِ رِئْمٍ، ثُمَّ جَاءَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةِ عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قِبَلَ الْقَائِلَةِ  

من أوائل من هاجر

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَرْبِ، وَبَايَعَهُ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى الْإِسْلَامِ والنُّصْرة لَهُ وَلِمَنْ اتَّبَعَهُ، وَأَوَى إلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَصْحَابَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَوْمِهِ، وَمَنْ مَعَهُ بِمَكَّةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، بِالْخُرُوجِ إلَى الْمَدِينَةِ وَالْهِجْرَةِ إلَيْهَا، وَاللُّحُوقِ بِإِخْوَانِهِمْ مِنْ الْأَنْصَارِ وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ جَعَلَ لَكُمْ إخْوَانًا وَدَارًا تَأْمَنُونَ بِهَا، فَخَرَجُوا أرْسالًا

من أوائل من هاجر

مَّ قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ أرْسالًا، وَكَانَ بنو غَنم بن دُودَانَ أَهْلَ إسْلَامٍ، قَدْ أَوْعَبُوا إلَى الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هِجْرَةً رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، وَأَخُوهُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ، وعُكاشة بْنُ مِحصن، وشُجاع وعقبة ابنا وهب، وأرَبد بْنُ حُمَيِّرَة. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ ابْنُ حُمَيْرَة. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ومُنْقذ بْنُ نُباتة، وَسَعِيدُ بْنُ رُقَيش، ومُحرِز بْنُ نَضلة، وَيَزِيدُ بْنُ رُقَيش، وَقَيْسُ بْنُ جَابِرٍ، وعَمرو بْنُ مِحصن، وَمَالِكُ بْنُ عَمْرٍو، وَصَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، وثَقْف بْنُ عَمْرٍو، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَكْثَمَ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ عُبيد، وتمَّام بْنُ عُبيدة، وسَخْبَرة بْنُ عُبَيْدة، ومحمد بن عبد الله بن جَحْش. ومن نسائهم: زينب بنت جَحش، وأم خبيب بِنْتُ جَحْش، وجُذَامة بِنْتُ جَنْدَل، وَأُمُّ قَيْسٍ بِنْتُ مِحْصن، وَأُمُّ حَبِيبٍ بِنْتُ ثُمامة، وَآمِنَةُ بنت رُقيشَ، وسَخْبَرة بنت تميم، حَمْنة بنت جحش.