وفاة خديجة وخطبة عائشة رضي الله عنهما

عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى المَدِينَةِ بِثَلاَثِ سِنِينَ، فَلَبِثَ سَنَتَيْنِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، وَنَكَحَ عَائِشَةَ وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، ثُمَّ بَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ»

استخدام الدهاء لنقض الصحيفة اثر القرب من الأقرباء في حماية المسلمين

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فِي مَنْزِلِهِمْ الَّذِي تَعَاقَدَتْ فِيهِ قُرَيْشٌ عَلَيْهِمْ فِي الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَتَبُوهَا، ثُمَّ إنَّهُ قَامَ فِي نَقْضِ تِلْكَ الصَّحِيفَةِ الَّتِي تَكَاتَبَتْ فِيهَا قُرَيْشٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِيَّ الْمُطَّلِبِ نفرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَمْ يُبل فِيهَا أَحَدٌ أَحْسَنَ مِنْ بَلَاءِ هِشَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حُبيب بْنِ نَصْرِ بْنِ جُذَيمة بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْل بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ أَخِي نَضْلة بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ لِأُمِّهِ، فَكَانَ هِشَامٌ لِبَنِي هَاشِمٍ وَاصَلًا، وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قَوْمِهِ، فَكَانَ -فِيمَا بَلَغَنِي- يَأْتِي بِالْبَعِيرِ، وَبَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فِي الشِّعْب لَيْلًا، قَدْ أَوْقَرَهُ طَعَامًا حَتَّى إذَا أَقْبَلَ بِهِ فَمَ الشِّعْب خَلَعَ خِطَامَهُ مِنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى جَنْبِهِ، فَيَدْخُلُ الشِّعْب عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَأْتِي بِهِ قَدْ أَوْقَرَهُ بزًا أو برًا، فيفعل به مثل ذلك.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّهُ مَشَى إلَى زُهير بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمر بْنِ مَخْزُومٍ. وَكَانَتْ أُمُّهُ عَاتِكَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا زُهير، أَقَدْ رَضِيتَ أَنْ تَأْكُلَ الطَّعَامَ وَتَلْبَسَ الثيابَ، وتَنكح النِّسَاءَ، وأخوالُك حَيْثُ قَدْ علمتَ، لَا يُباعون وَلَا يُبتاع مِنْهُمْ، وَلَا يَنكحون وَلَا يُنكح إلَيْهِمْ؟ أَمَا إنِّي أَحْلِفُ بِاَللَّهِ أَنْ لَوْ كَانُوا أخوالَ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، ثُمَّ دَعَوْتَهُ إلَى مِثْلِ مَا دَعَاكَ إلَيْهِ مِنْهُمْ، مَا أَجَابَكَ إلَيْهِ أَبَدًا، قَالَ: وَيْحَكَ يَا هِشَامُ! فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ مَعِي رَجُلٌ آخَرُ لَقُمْتُ فِي نقضِها حَتَّى أنقضَها، قَالَ: قَدْ وَجَدْتَ رَجُلًا قَالَ: فَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا، قَالَ لَهُ زُهير: أَبْغِنَا رَجُلًا ثَالِثًا.

فذهب إلى المطْعِم بن عدي، فَقَالَ لَهُ: يَا مُطعم أَقَدْ رضيتَ أَنْ يَهْلِكَ بَطْنَانِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَأَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِقُرَيْشِ فِيهِ! أَمَا وَاَللَّهِ لَئِنْ أَمْكَنْتُمُوهُمْ مِنْ هَذِهِ لتجدنَّهم إلَيْهَا مِنْكُمْ سِرَاعًا، قَالَ وَيْحَكَ! فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، قَالَ: قَدْ وَجَدْتَ ثَانِيًا، قال: من هو؟ قال: أنا، فقال: أَبْغِنَا ثَالِثًا، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهَير بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ أبغنا رابعًا.

فذهب إلى البَخْتري بن هشام، فقال لَهُ نَحْوًا مِمَّا قَالَ للمُطعم بْنِ عَدِيٍّ، فَقَالَ: وَهَلْ مِنْ أَحَدٍ يُعِينُ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهير بن أبي أمية، والمطم بْنُ عَدِيٍّ، وَأَنَا مَعَكَ، قَالَ أَبْغِنَا خَامِسًا.

فَذَهَبَ إلَى زَمْعَة بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بن أسد، فكلمه وذكر لَهُ قَرَابَتَهُمْ وحقَّهم، فَقَالَ لَهُ: وَهَلْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي تَدْعُونِي إلَيْهِ مِنْ أَحَدٍ؟ قال: نعم، ثم سمَّى له القوم.

فاتَّعدوا خَطْمَ الْحَجُونِ لَيْلًا بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَاجْتَمَعُوا هُنَالِكَ. فَأَجْمَعُوا أمرَهم وَتَعَاقَدُوا عَلَى الْقِيَامِ فِي الصَّحِيفَةِ حَتَّى يَنْقُضُوهَا، وَقَالَ زُهير: أَنَا أَبْدَؤُكُمْ، فَأَكُونُ أولَ مَنْ يَتَكَلَّمُ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا إلَى أَنْدِيَتِهِمْ، وَغَدَا زُهير بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ عَلَيْهِ حُلة، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أهلَ مَكَّةَ، أَنَأْكُلُ الطَّعَامَ وَنَلْبَسُ الثيابَ، وَبَنُو هَاشِمٍ هلْكَى لَا يُبَاعُ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ، وَاَللَّهِ لَا أقعدُ حَتَّى تُشَقَّ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ الْقَاطِعَةُ الظَّالِمَةُ.

قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَكَانَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ: كذبتَ وَاَللَّهِ لَا تُشق، قَالَ زَمْعة بْنُ الْأَسْوَدِ: أَنْتَ وَاَللَّهِ أَكْذَبُ، مَا رَضِينَا كِتَابَهَا حيثُ كُتبت، قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: صَدَقَ زَمعة، لَا نَرْضَى مَا كُتب فِيهَا، وَلَا نُقِرُّ بِهِ، قَالَ المطعِم بْنُ عَدِيٍّ: صَدَقْتُمَا وَكَذَبَ مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ، نَبْرَأُ إلَى اللَّهِ مِنْهَا، وَمِمَّا كُتب فِيهَا، قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا أَمْرٌ قُضِيَ بليلٍ، تَشُووِر فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا المكان. وَأَبُو طَالِبٍ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَامَ المطْعِم إلَى الصَّحِيفَةِ ليشقَّها، فَوَجَدَ الأرَضَة قَدْ أكلتها، إلا “باسمك اللهم”.

وَكَانَ كَاتِبَ الصَّحِيفَةِ مَنْصُورُ بْنُ عِكْرِمَةَ. فشُلت يده فيما يزعمون.

تآمر قريش على بني المطلب

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ عَلَى ذَلِكَ قُرَيْشٌ، وَصَنَعُوا فِيهِ الَّذِي صَنَعُوا، قَالَ أَبُو طَالِبٍ:
أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي عَلَى ذاتِ بَيْنِنَا … لُؤَيا وخُصَّا مِنْ لُؤَيٍّ بَنِي كعبِ
أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّا وَجَدْنَا مُحَمَّدًا … نَبِيًّا كَمُوسَى خُطَّ فِي أَوَّلِ الكتبِ
وَأَنَّ عَلَيْهِ فِي العبادِ مَحَبَّةً … وَلَا خيرَ مِمَّنْ خَصَّهُ اللهُ بالحبِّ
وَأَنَّ الَّذِي ألصقتمُ مِنْ كتابِكم … لَكُم كائنٌ نَحْسًا كراغيةِ السَّقْبِ
أَفِيقُوا أَفِيقُوا قبلَ أَنْ يُحْفَرَ الثَّرَى … ويصبحَ مَنْ لَمْ يَجْنِ ذَنْبًا كَذِي الذنْبِ
وَلَا تَتْبَعُوا أمرَ الوُشاةِ وَتَقْطَعُوا … أواصرَنا بعدَ المودةِ والقُربِ
وَتَسْتَجْلِبُوا حَرْبًا عَوَانًا وَرُبَّمَا … أَمُرُّ عَلَى مَنْ ذَاقَهُ جَلبُ الحربِ
فَلَسْنَا وربِّ البيتِ نسلمُ أَحْمَدًا … لعزَّاءَ مِن عضِّ الزَّمَانُ وَلَا كَرْب
ولمَّا تَبِنْ مِنَّا وَمِنْكُمْ سَوَالِفُ … وأيدٍ أترَّت بالقُساسيَّةِ الشهْب
بمعتَركٍ ضَيْقٍ ترى كِسَرَ القَنَا … به والنسورَالطُّخْمَ يَعْكُفْنَ كالشَّرْبِ
كَأَنَّ مجالَ الخيلِ فِي حَجَراتِه … ومَعْمَعة الأبطالِ مَعْرَكَةُ الحربِ
أَلَيْسَ أَبُونَا هَاشِمٌ شدَّ أزرَهُ … وَأَوْصَى بَنِيهِ بالطِّعان وبالضربِ
وَلَسْنَا نَمَلُّ الحربَ حَتَّى تَمَلَّنا … وَلَا نَشْتَكِي مَا قَدْ ينوبُ مِنْ النَّكْبِ
وَلَكِنَّنَا أهلُ الحفائِظ والنُّهَى … إذَا طَارَ أرواحُ الكُماةِ مِنْ الرعْبِ
فَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، حَتَّى جُهِدوا لَا يَصِلُ إلَيْهِمْ شَيْءٌ، إلَّا سِرًّا مُسْتَخْفِيًا بِهِ مَنْ أَرَادَ صِلَتَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ

تآمر قريش على بني المطلب

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قَدْ نَزَلُوا بَلَدًا أَصَابُوا بِهِ أَمْنًا وَقَرَارًا، وَأَنَّ النجاشيَّ قَدْ مَنَعَ مَنْ لَجَأَ إلَيْهِ مِنْهُمْ، وَأَنَّ عُمر قَدْ أَسْلَمَ، فَكَانَ هُوَ وحمزةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابِهِ، وَجَعَلَ الْإِسْلَامُ يفشُو في القبائل، اجتمعوا وائتمروا أَنْ يَكْتُبُوا كِتَابًا يَتَعَاقَدُونَ فِيهِ عَلَى بَنِي المطّلب، على ألا يُنكحوا إلَيْهِمْ وَلَا يُنكحوهم، وَلَا يَبِيعُوهُمْ شَيْئًا، وَلَا يَبْتَاعُوا مِنْهُمْ؛ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا لِذَلِكَ كَتَبُوهُ فِي صَحِيفَةٍ، ثُمَّ تَعَاهَدُوا وَتَوَاثَقُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ علَّقوا الصَّحِيفَةَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ تَوْكِيدًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ كَاتِبُ الصَّحِيفَةِ مَنْصُورَ بْنَ عِكْرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ. فَدَعَا عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَشُلَّ بعضُ أصابعه.

عذاب قريش ورفعه ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم

عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّمَا كَانَ هَذَا، لِأَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اسْتَعْصَوْا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ حَتَّى أَكَلُوا العِظَامَ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الجَهْدِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ. يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الدخان: 11] قَالَ: فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: اسْتَسْقِ اللَّهَ لِمُضَرَ، فَإِنَّهَا قَدْ هَلَكَتْ، قَالَ: «لِمُضَرَ؟ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ» فَاسْتَسْقَى لَهُمْ فَسُقُوا، فَنَزَلَتْ: {إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} [الدخان: 15] فَلَمَّا أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهِيَةُ عَادُوا إِلَى حَالِهِمْ حِينَ أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهِيَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} [الدخان: 16] قَالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ

الاعتبار بحال المؤمنين من الأمم السابقة لتثبيت المؤمنين شكوى المؤمنين شدة ما يلاقوه

عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلاَ تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ»

الحرب الاقتصادية والفكرية جواز صناعة السيوف لقريش والتجارة معهم بادئ الامر

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمي، كَانَ خَبَّاب بْنُ الأرَتّ، صاحبُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَيْنًا بِمَكَّةَ يَعْمَلُ السُّيُوفَ، وَكَانَ قَدْ بَاعَ مِنْ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ سُيُوفًا عَمِلَهَا لَهُ حَتَّى كَانَ لَهُ مَالٌ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ فَقَالَ لَهُ يَا خَبَّابُ: أَلَيْسَ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ صَاحِبُكُمْ هَذَا الَّذِي أَنْتَ عَلَى دِينِهِ أَنَّ فِي الْجَنَّةِ مَا ابْتَغَى أَهْلُهَا مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ ثِيَابٍ أَوْ خَدَمٍ؟ قَالَ خَباب: بَلَى. قَالَ: فَأَنْظِرْنِي إلَى يَوْمِ القيامةِ يَا خَباب، حَتَّى أرْجعَ إلى تلك الدار فأقضيَك هناك حقَّك، فوالله لا تكون أنت وأصحابك يَا خَبَّابُ آثَرَ عِنْدَ اللَّهِ مِنِّي، وَلَا أَعْظَمَ حَظًّا فِي ذَلِكَ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا، أَطَّلَعَ الْغَيْبَ} [مريم: 77، 78] إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا} [مريم: 80] .

الحرب الفكرية والاقتصادية

عَنْ خَبَّابٍ، قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا بِمَكَّةَ، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ سَيْفًا فَجِئْتُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لاَ أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ قُلْتُ: «لاَ أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ، ثُمَّ يُحْيِيَكَ»، قَالَ: إِذَا أَمَاتَنِي اللَّهُ ثُمَّ بَعَثَنِي وَلِي مَالٌ وَوَلَدٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ: لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا، أَطَّلَعَ الغَيْبَ أَمُ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} قَالَ: ” مَوْثِقًا لَمْ يَقُلِ الأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ: سَيْفًا وَلاَ مَوْثِقًا “

العذر بترك الدين افتداء للنفس من شدة الأذى بلوغ اذى المشركين غايته

عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، قَالَ: قلتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَبْلُغُونَ مِنْ أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِنْ الْعَذَابِ مَا يُعْذَرون بِهِ فِي تَرْكِ دِينِهِمْ؛ قَالَ: نَعَمْ وَاَللَّهِ، إنْ كَانُوا ليُضربون أحدَهم وَيُجِيعُونَهُ ويُعَطِّشونه حَتَّى مَا يَقْدِرُ أَنْ يَسْتَوِيَ جَالِسًا مِنْ شِدَّةِ الضُّرِّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ، حَتَّى يعطيَهم مَا سَأَلُوهُ مِنْ الْفِتْنَةِ، حَتَّى يَقُولُوا لَهُ؛ آللاتُ والعُزَّي إلَهُكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ، حَتَّى إنَّ الجُعْلَ لَيَمُرُّ بِهِمْ، فَيَقُولُونَ لَهُ: أَهَذَا الجُعْلُ إلَهُكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، افْتِدَاءً مِنْهُمْ مما يبلغون من جهده.