قَالُوا: وَكَانَتْ نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ أُمّ عُمَارَةَ، وَهِيَ امرأة غزيّة بن عمرو وشهدت أحدا هي وَزَوْجُهَا وَابْنَاهَا، وَخَرَجَتْ، مَعَهَا شَنّ لَهَا فِي أَوّلِ النّهَارِ تُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَ الْجَرْحَى، فَقَاتَلَتْ يَوْمَئِذٍ وَأَبْلَتْ بَلَاءً حَسَنًا، فَجُرِحَتْ اثْنَيْ عَشَرَ جُرْحًا بَيْنَ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ أَوْ ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ.
فَكَانَتْ أُمّ سَعْدٍ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ رَبِيع تَقُولُ: دَخَلْت عَلَيْهَا فَقُلْت لَهَا: يَا خَالَةِ، حَدّثِينِي خَبَرَك. فَقَالَتْ: خَرَجْت أَوّلَ النّهَارِ إلَى أُحُدٍ، وَأَنَا أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ النّاسُ، وَمَعِي سِقَاءٌ فِيهِ مَاءٌ، فَانْتَهَيْت إلَى رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلم، يَصِيحُ: دُلّونِي عَلَى مُحَمّدٍ، فَلَا نَجَوْت إنْ نَجَا! فَاعْتَرَضَ لَهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَأُنَاسٌ مَعَهُ، فَكُنْت فِيهِمْ، فَضَرَبَنِي هَذِهِ الضّرْبَةَ، وَلَقَدْ ضَرَبْته عَلَى ذَلِكَ ضَرَبَاتٍ، وَلَكِنّ عَدُوّ اللهِ كَانَ عَلَيْهِ دِرْعَانِ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ” أَنْ عَمْرَو بْنَ أُقَيْشٍ، كَانَ لَهُ رِبًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَرِهَ أَنْ يُسْلِمَ حَتَّى يَأْخُذَهُ، فَجَاءَ يَوْمُ أُحُدٍ، فَقَالَ: أَيْنَ بَنُو عَمِّي؟ قَالُوا بِأُحُدٍ، قَالَ: أَيْنَ فُلَانٌ؟ قَالُوا بِأُحُدٍ، قَالَ: فَأَيْنَ فُلَانٌ؟ قَالُوا: بِأُحُدٍ، فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ وَرَكِبَ فَرَسَهُ، ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ، قَالُوا: إِلَيْكَ عَنَّا يَا عَمْرُو، قَالَ: إِنِّي قَدْ آمَنْتُ، فَقَاتَلَ حَتَّى جُرِحَ، فَحُمِلَ إِلَى أَهْلِهِ جَرِيحًا، فَجَاءَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ لِأُخْتِهِ: سَلِيهِ حَمِيَّةً لِقَوْمِكَ، أَوْ غَضَبًا لَهُمْ أَمْ غَضَبًا لِلَّهِ؟ فَقَالَ: بَلْ غَضَبًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَمَاتَ فَدَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَا صَلَّى لِلَّهِ صَلَاةً “
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ مُخَيْريق، وَكَانَ حَبْرًا عَالِمًا، وَكَانَ رَجُلًا غَنِيًّا كَثِيرَ الْأَمْوَالِ مِنْ النَّخْلِ، وَكَانَ يَعْرِفُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِصِفَتِهِ، وَمَا يَجِدُ فِي عِلْمِهِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ إلْفُ دِينِهِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى إذَا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَكَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ، قَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، وَاَللَّهِ إنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ نصرَ مُحَمَّدٍ عَلَيْكُمْ لحقٌّ. قَالُوا: إنَّ اليومَ يَوْمُ السَّبْتِ، قَالَ: لَا سبتَ لَكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ سلاحَه، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى رسولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِأُحُدٍ، وَعَهِدَ إلَى مَنْ وراءَه مِنْ قَوْمِهِ: إنْ قُتلت هَذَا الْيَوْمَ، فَأَمْوَالِي لِمُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَصْنَعُ فِيهَا مَا أَرَاهُ اللَّهُ. فَلَمَّا اقْتَتَلَ الناسُ قَاتَلَ حَتَّى قُتل. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فِيمَا بَلَغَنِي-يَقُولُ: مُخَيْريق خيرُ يهود. وقبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أموالَه، فَعَامَّةُ صدقاتِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم- بالمدينة منها.
عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ شَيْخٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَعْرَجَ , فَلَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَدْرٍ قَالَ لِبَنِيهِ: أَخْرِجُونِي. فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ عَرَجُهُ , وَحَالُهُ , فَأَذِنَ لَهُ فِي الْمُقَامِ , فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ خَرَجَ النَّاسُ , فَقَالَ لِبَنِيهِ: أَخْرِجُونِي. فَقَالُوا: قَدْ رَخَّصَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَأَذِنَ. قَالَ: هَيْهَاتَ مَنَعْتُمُونِي الْجَنَّةَ بِبَدْرٍ وَتَمْنَعُونِيهَا بِأُحُدٍ، فَخَرَجَ، فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ، قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ الْيَوْمَ أَطَّأُ بِعَرَجَتِي هَذِهِ الْجَنَّةَ؟ قَالَ:» نَعَمْ «قَالَ: فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَطَأَنَّ بِهَا الْجَنَّةَ الْيَوْمَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقَالَ لِغُلَامٍ لَهُ كَانَ مَعَهُ يُقَالُ لَهُ سُلَيْمٌ: ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ. قَالَ: وَمَا عَلَيْكَ أَنْ أُصِيبَ الْيَوْمَ خَيْرًا مَعَكَ؟ قَالَ: فَتَقَدَّمْ إِذًا. قَالَ: فَتَقَدَّمَ الْعَبْدُ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ، وَقَاتَلَ هُوَ حَتَّى قُتِلَ»
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ: ” اللَّهُمَّ إِنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ أَنْ أَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا فَيَقْتُلُونِي، ثُمَّ يَبْقُرُوا بَطْنِي، وَيَجْدَعُوا أَنْفِي وَأُذُنِي، ثُمَّ تَسْأَلُنِي بِمَا ذَاكَ؟ فَأَقُولُ: فِيكَ “، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَبَرَّ اللَّهُ آخِرَ قَسَمِهِ كَمَا بَرَّ أَوَّلَهُ» هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ لَوْلَا إِرْسَالٌ فِيهِ “
عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فَأَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: «فِي الجَنَّةِ فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ»
عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: «رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ»
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَشُجَّ، فَجَعَلَ الدَّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، [وَيَقُولُ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ!] فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجل: «لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ» الآيَةَ.
قَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنْظُرُ إِلَى خَدَمِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ وَصَوَاحِبِهَا مُشَمِّرَاتٍ هوارب، ما دون اخذهن قليل كَثِيرٌ، إِذ مَالَتِ الرُّمَاةُ إِلَى الْعَسْكَرِ حِينَ كَشَفْنَا الْقَوْمَ عَنْهُ يُرِيدُونَ النَّهْبَ، وَخَلَّوْا ظُهُورَنَا لِلْخَيْلِ، فَأُتِينَا مِنْ أَدْبَارِنَا وَصَرَخَ صَارِخٌ: أَلا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ! فَانْكَفَأْنَا وَانْكَفَأَ عَلَيْنَا الْقَوْمُ، بَعْدَ أَنْ أَصَبْنَا أَصْحَابَ اللِّوَاءِ حَتَّى مَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ
قَالَ الزبير: [عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سَيْفًا فِي يَدِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ؟ قَالَ: فَقُمْتُ فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ؟ فَقُمْتُ فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ؟ قَالَ: فَقَامَ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ، فَقَالَ: أَنَا آخِذُهُ بِحَقِّهِ، وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: حَقُّهُ أَلا تَقْتُلَ بِهِ مُسْلِمًا، وَأَلا تَفِرَّ بِهِ عَنْ كَافِرٍ، قَالَ: فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ] قَالَ: وَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْقِتَالَ أَعْلَمَ بِعِصَابَةٍ، قَالَ: فَقُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ الْيَوْمَ مَا يَصْنَعُ، قَالَ: فَجَعَلَ لا يَرْتَفِعُ لَهُ شَيْءٌ إِلا هَتَكَهُ وَأَفْرَاهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى نِسْوَةٍ فِي سَفْحِ جَبَلٍ، مَعَهُنَّ دُفُوفٌ لَهُنَّ، فِيهِنَّ امْرَأَةٌ تَقُولُ: نَحْنُ بَنَاتُ طَارِقْ إِنْ تُقْبِلُوا نُعَانِقْ وَنَبْسُطُ النَّمَارِقْ أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِقْ فِرَاقَ غَيْرِ وَامِقْ قَالَ: فَرَفَعَ السَّيْفَ لِيَضْرِبَهَا، ثُمَّ كَفَّ عَنْهَا قَالَ: قُلْتُ: كُلَّ عَمَلِكَ قَدْ رَأَيْتُ، أَرَأَيْتَ رَفْعَكَ لِلسَّيْفِ عَنِ الْمَرْأَةِ بَعْدَ مَا أَهْوَيْتَ بِه إِلَيْهَا! قَالَ: فَقَالَ: أَكْرَمْتُ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ أَنْ أَقْتُلَ بِهِ امْرَأَةً.